حرارة الصيف ليست لها القدرة على حجبنا عن ذكرياتنا ... لم أرَ مثل ذلك الهجير والحر .. كما في وفاة الرسول عام 1419هـ ... عصراً والشمس عمودية على رؤوسنا ... أجسادنا تنضح بالعرق سيلا ... الكون يبكيك محمّد ... قصيدة لم تُفلح في إنجاح الموكب ... في ذلك الجو لا يستطيع شيء إنجاح الموكب ...
يُحاول الأخوة تبريد الجو حولي بمراوحهم الورقية ... ولكن هيهات أن ينتصر أحد على الصيف في العراء ... لم يكد الموكب ينتهي حتى رأيت مُفكرة الهواتف ممحية البيانات ... تسلل العرق إليها ومزج أحرفها الحبرية ببعضها ...
وأقبلت وفاة أمير المؤمنين (ع) ... ونحن في بٌلهنيةٍ وادعون ... نمني أنفسنا بموكب صاعد ... ثلاث ليال نؤدي الموكب فيها ... ليلتان ممهدتان وليلة كُبرى هي ليلة الوفاة ... بالتشاور مع الرواديد والشعراء ولكوننا لجنة الموكب القائمة على إخراج الموكب ... رأينا أن نقتصر في تأدية الموكب... في ليلة التاسع عشر في مأتم بن خميس داخل فقط ... وليلة العشرين في مأتم السنابس... أو العكس بحيث لا يكون المأتم الثاني مأهولاً بالعزاء أثناء تأدية العزاء في المأتم الآخر ...
هذا الطرح من أجل توفير الموكب الصحيح ... ولدفع الجمهور للوحدة أكثر ... فيمكنهم تأدية الموكب ليلة في هذا المأتم وليلة في المأتم الآخر ... وبهذه الطريقة نوفر الألحان والقصائد ... ونقصر الجهود على مكان واحد فقط ...
رفعنا طلبنا إلى الإدارتين برسالةٍ لكل منهما مذيلة بتوقيع لجنة الموكب ... اعتقدنا الجواب بالإيجاب من الإدارتين ... لكون الليلتين ثانويتين في إحيائهما وهما فقط في الداخل ... ولاعتقادنا أنّ الإدارتين تُحبان التلاحم والتقارب لما نراه من دلائل توحيد الموكب .
جاءنا الرد إيجابياً من مأتم السنابس وسلبياً من مأتم بن خميس ... طلبنا أسباب الرفض لدى مأتم بن خميس فلم نجدها ... شعرنا بخيبة الأمل في إدارةٍ لا تقيّم جهود لجنة الموكب ... بل وأنكرت وجود اللجنة ... ولكثرة ما حاولنا الوصول معها لحل صارت عندنا قناعة أن التخلي عن مسك زمام اللجنة هو الحل ... كي لا ندخل في صراع مع الإدارة ... لما رأت الإدارة عزمنا على ترك اللجنة لها نزلت عند مقترحنا دون قناعة ...
طبّقنا الفكرة وسط تجاذبات خشنة ... ولا نجد أنفسنا إلا معنيين برفع الموكب للأفضل ... وقبل محرّم الحرام أيضاً رفعنا للإدارتين رؤيتنا بتطبيق الفكرة في الليالي الست الأولى ... ثلاث ليال في مأتم بن خميس وثلاث في مأتم السنابس ...
وكأننا أعدنا التجربة ثانية ... وافق مأتم السنابس وبقي مأتم بن خميس لا يُعطينا إلا الصدود ... ونحن نُلِحُ في الطلب كي لا يدهمنا محرّم ... وكانت الصدمة على أبواب محرّم حين رفضت إدارة مأتم بن خميس طلبنا ... ورأت أن تملأ فراغ الليالي الأولى بنفسها ...
رأينا في رفضها وتوجهها أمراً يٌقسم تنظيم الموكب ... أبلغناهم بعدم صلاحية تقسيم التنظيم لأكثر من جهة ... أما نحن ننظم أو أنتم تُنظمون... وتعتبرون ما أعددناه لاغياً ... وتُعدون ما ترونه مناسباً برؤيتكم وتتصلون بالرواديد كما تُريدون ...
قرّرت الإدارة استلام التنظيم بروح المكابرة ... فنزلنا عند رغبتها ... وأخذت صورة من جدولنا الذي أعددناهُ لمحرّم ... تمر به على الرواديد تدعوهم للمشاركة ... رفض الرواديد الإستجابة للإدارة ... وطالبوا بإعادة المنظمين ...
الإدارة تدرك خطأها في استخدام جدول يعتبر إعداده لاغياً بخروجنا من التنظيم ... هذا حسب اتفاقنا معهم ... إذن بماذا يطالبون من الرواديد ... استمرت الأزمة قائمة في المنطقة تبلبلها... إلى ليلة التاسع من المحرّم حين تدخّل وسطاء ... وأجري اتفاق بين الإدارتين والرواديد ...
قدّمت وقفة في تلك الليلة ... يبني يمذبوح ... وأعقبتها ليلة العاشر ... يا فجر لا تحرم قلوب ... لم أشعر بتلكَ الليلة ... كلما أردت إضافة تفاعل من الداخل لم أتمكن ... الأنفاس نافدة لشدة وطأة الأزمة وتطوراتها ... وتبقى مخلفات الأزمة تشوش الجميع ... وتؤرق منامهم ...
في ذكرى وفاة الإمام السجاد (ع) قدّمت قصيدة دعوتُ فيها إلى مسرحة الموكب وترجمة تراثنا المظلوم إلى اللغات الأخرى لِنُعرف أمام الآخرين ... ولا نكون ظالمين لأنفسنا كما الآخرون ظالمون لنا ... كذلك دعوت إلى تجديد نفس الشعائر ...
في ذكرى الباقر الشهيد المسموم اقترح الأخوة القائمون على تنظيم موكب بن سلوم إجراء ثُنائي بيني وبين يوسف الرومي ... من عادتي إذا اقترح علي إجراء ثُنائي مع رادود متمكن أن ألقي الكرة في ملعبه ... أطلب منه اللحن ... لأتيح لنفسي فرصة تقديم الجديد بلحنه ...
لحنه بالطبع يحمل نبرات تختلف عن ألحاني ... وهنا فرصة التجديد في العطاء ... كتب القصيدة سيد ناصر العلوي كأفضل ما كتب ... ولا أنسى قصائده الجميلة ... كتب لنا قصيدة أنا ومهدي سهوان قدّمناها يوم وفاة النبي (ص) ... رب الجلالة ... يحمي الرسالة ...
وهذه القصيدة ... توردي بالعين يا دمعة ... من أجمل ما رصّعت كفه فوق الدفاتر من كلمات ... تتفتق العاطفة الرقيقة من مفرداتها ...وتصب العَبَرَات بالمرور على صِوَرها ... قدّمنا القصيدة في تلك الليلة ... وكانت ليلة لا تغيب من شريط الذاكرة ...
في اليوم الثاني قدّمناها في سترة في مأتم حمد ... حيث اختلفوا في توقيت الوفاة ولم يسمح لهم الأمن بالخروج ... اليوم التالي يُصادف حرم الحجاج ... أضفت لها فقرة حوارية على غرار فقراتها الحوارية ... فقرتي تُجري حواراً بين الرسول وحفيده الحسين (ع) .
ولذكرى الباقر في قلبي وقعٌ خاص ... وقلما تخلو ذكرياته من مميزات ... قبلها بعام كتبت قصيدة ... أحجُ في قافلةِ الإمام ... تتناول فلسفة الحج مُدمجة مع ثورة الحسين مروراً باستشهاد الباقر ... عقب الموكب مباشرة خرج فتية بمسيرةٍ من المأتم إلى المقبرة ... كان على إثرها إطلاق مسيلات الدموع ... حيث رأينا آثارها ونحن في فناء المأتم ...أغلقت الداخلية المأتم بعد انتهاء هذا الحدث ... ولم يفتح المأتم إلا قُبيل عاشوراء بأيامٍ قلائل ... لنا عودة
كتبها عبدالشهيد الثور في 05:41 مساءً ::
الاسم: عبدالشهيد الثور
